ثمة أمر بالغ الأهمية في الإسلام يتعلق بحماية القلب؛ فالقلب ليس مجرد عضو في الجسد، بل هو موطن الإيمان، ومنبع النيات، وموضع صلة العبد بربه سبحانه وتعالى. وفي عصرنا الحاضر، تمتلئ عقولنا يوميًا بما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي من صور ومقاطع مرئية وآراء وأنماط حياة لا تنتهي، ومن حيث لا نشعر، قد تؤثر هذه الأمور تدريجيًا في قلوبنا. لذلك يعلّمنا الإسلام أن حفظ القلب وصيانته من أعظم المسؤوليات التي تقع على عاتق المؤمن.

توجيه الله تعالى بشأن فتن الدنيا

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه: 131]

تحمل هذه الآية الكريمة دلالة عظيمة، وتزداد أهميتها في زماننا هذا. فكل يوم يتصفح الناس وسائل التواصل الاجتماعي، فيرون المنازل الفاخرة، والسيارات الفارهة، والرحلات المترفة، والمظاهر الجذابة، وأنماط الحياة التي تبدو مثالية. وسرعان ما يقع المرء في مقارنة نفسه بغيره، فيظن أن حياته أقل أو أنه يفتقد الكثير.

لكن الله سبحانه وتعالى ينهى عباده عن التطلع إلى ما في أيدي الناس؛ لأن متاع الدنيا زائل، وقد يكون ابتلاءً واختبارًا. أما ما أعدّه الله للمؤمنين فهو خير وأبقى، وأعظم مما تتطلع إليه النفوس.

خطر مقارنة النفس بالآخرين

من أكبر سلبيات وسائل التواصل الاجتماعي أنها تغذي روح المقارنة بين الناس. فغالبًا ما يعرض المستخدمون أجمل لحظات حياتهم، بينما يخفون ما يمرون به من هموم وصعوبات وأحزان. فينشأ لدى كثير من الناس اعتقاد بأن الآخرين يعيشون حياة أفضل منهم.

وهذه المقارنة قد تفتح أبواب الحسد، والحزن، والسخط، وتضعف شعور الإنسان بنعم الله عليه، فينشغل بما ينقصه بدلًا من شكر ما أُوتيه.

وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى علاج هذا الداء فقال:

«انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ»
متفق عليه.

يكشف هذا الحديث الشريف سرًا عظيمًا من أسرار القناعة والرضا؛ فبدلًا من الانشغال بمن هو أكثر مالًا أو جمالًا أو شهرةً أو نجاحًا، يدعونا الإسلام إلى النظر في أحوال من هم أقل منا في أمور الدنيا، حتى نزداد شكرًا لله تعالى واعترافًا بفضله. فالشكر يحفظ القلب، أما المقارنة المستمرة فتسلبه طمأنينته.

الاستخدام الرشيد لوسائل التواصل الاجتماعي

ليست وسائل التواصل الاجتماعي شرًا محضًا، بل يمكن أن تكون وسيلة نافعة لتعلّم العلم، والاستماع إلى القرآن الكريم، وصلة الأرحام، ونشر الخير والدعوة إلى الفضيلة.

ولكنها، كسائر النعم، تحتاج إلى حسن استخدام. فإذا أصبحت سببًا للحسد، أو الكِبر، أو الغفلة، أو إضاعة الأوقات، فإنها تتحول إلى ما يضعف صلة العبد بربه.

حفظ القلب يبدأ بحفظ البصر

ومن أعظم وسائل حماية القلب أن يحفظ المسلم بصره عما يشاهده؛ فكل صورة، وكل مقطع، وكل رسالة تترك أثرًا في النفس.

فإذا اعتاد الإنسان متابعة ما يدعو إلى التعلق بالدنيا، أو التبرج، أو المعاصي، تعلق قلبه شيئًا فشيئًا بتلك الشهوات. أما إذا شغل بصره وسمعه بالقرآن الكريم، والعلم النافع، والمواعظ، وذكر الله تعالى، ازداد قلبه قوةً وسكينةً ونورًا.

ومن أنفع ما يحفظ القلب أن يقلل المؤمن من مقارنة نفسه بالآخرين، ويكثر من محاسبة نفسه والتفكر في حاله مع الله. فبدلًا من أن يقول: لماذا لا أملك ما يملكه غيري؟، يسأل نفسه: كيف أزداد قربًا من الله اليوم؟

وهذا التحول في التفكير يمنح القلب سلامًا لا يمكن أن تمنحه كثرة المتابعين أو الإعجابات.

قيمتك الحقيقية عند الله

ومن المهم أن يتذكر المسلم أن قيمته لا تُقاس بما يراه الناس عنه في العالم الرقمي. فكثير من منصات التواصل تدفع الإنسان إلى طلب الشهرة واستحسان الناس، بينما يربي الإسلام المؤمن على أن يكون همه الأول رضا الله سبحانه وتعالى.

فقد يكون عمل صالح خالص لا يطلع عليه أحد، أعظم أجرًا عند الله من عمل يشاهده آلاف الناس ويثنون عليه.

تقوية القلب بالعبادة

ويقوى القلب ويثبت بالإقبال على الطاعات؛ من تلاوة القرآن الكريم، والإكثار من ذكر الله، والمحافظة على الصلوات في أوقاتها، والدعاء، والابتعاد عن كل ما يشغل القلب بلا فائدة.

فكلما ازداد العبد ذكرًا لله، قلّ تعلّقه بزينة الدنيا وزخارفها، وازداد تعلقه بما عند الله تعالى.

قلبٌ متعلق بالله

إن حماية القلب تعني في حقيقتها حماية العلاقة بين العبد وربه. فالدنيا لا تنفك تعرض على الناس ألوانًا من الفتن والمغريات، لكن المؤمن الصادق يعلم أن الفوز الحقيقي ليس في الشهرة، ولا في كثرة المال، ولا في جمال المظهر، وإنما هو في الإيمان، والقناعة، وطمأنينة القلب، والثقة بالله تعالى.

فإذا كفّ المؤمن عن مقارنة نفسه بغيره، وأقبل على شكر نعم الله التي لا تُحصى، امتلأ قلبه سكينةً ورضًا. ومهما أظهرت وسائل التواصل من زينة الدنيا، فإن المؤمن يوقن أن أعظم الجزاء وأبقى النعيم عند الله سبحانه وتعالى.

فالقلب المحفوظ هو القلب المطمئن، والقلب المطمئن هو القلب الذي ظل متعلقًا بربه، ذاكرًا له، راجيًا رضاه في كل حين.


اترك تعليقا

×